كشف الضوء الأصفر الخافت للمصباح الجانبي ما يحدث فوق الفراش.
لم تكن البقعة الحمراء تتسع ببطء؛ كان الدم يتدفق بغزارة مخيفة، يتمدد فوق الملاءة البيضاء أمام عيني زينة.
لم تبكِ.
كانت أنفاسها تخرج في شهقات جافة ومتلاحقة، وعيناها مثبتتان على سيف بجحوظ، بينما ارتخت ذراعاها تمامًا إلى جوار جسدها.
في داخلها، كان كل شيء قد انتهى.
يوسف مات.
أما سيف، فلم يتجمد.
أصابته لوثة حركية عنيفة. اندفع نحو السرير، وجذب الملاءة البيضاء بعنف ليخفي البقعة، كأنه لو أخفاها سيختفي أثرها، وكأن عينيه ترفضان الاعتراف بما رأته.
التفت إليها، وصوته خرج خشنًا وحادًا، كأنه يتشاجر معها:
- مفيش دم.. أصلًا ده حلم وراح. إنتِ بتهيألك! النبض كان كويس الصبح.. قومي اقفي.. وبطلي تمثيل عليا خلاص، إنتِ اتأكدتي إني بحبك.
نظرت إليه زينة نظرة ميتة. تحركت شفتاها الشاحبتان ببطء، وكأن الكلمات تخرج من مكان بعيد:
- هو مش بيموت يا سيف.. هو مات خلاص.. سيبني أموت معاه، بلاش تلحقني، أبوس إيدك. أنا مش هقدر أعيش نفس الوجع مرتين.. وممكن أفضل كده اللي باقي من عمري. فوق يا سيف لحياتك، واتَبَسّط وافرح، وبلاش تزعل عليا ولا تقفل حياتك من بعدي.
توقفت ملامح سيف.
كانت كلماتها كفيلة بقطع آخر خيط من تماسكه.
انحنى فجأة، وجذبها من معصميها بقوة، ثم رفعها إلى صدره وهو يلهث، كأنه يصارع الموت نفسه.
التقط هاتفه بأصابع ترتجف لدرجة كادت تعجزه عن الضغط على الأرقام، وما إن رد طارق حتى صاح بنبرة منهارة، خالية تمامًا من أي تماسك:
- طارق.. زينة نزفت تاني.. الحقني يا طارق، هات العربية بسرعة وثواني تكون عندي!
لم تمر سوى دقائق حتى كان طارق وحنين أمامهما.
حنين صُدمت عندما رأت الدماء الممتدة على ثوب زينة، فتراجعت خطوة إلى الخلف، بينما تردد بكاؤها المكتوم في المكان.
أما طارق، فلم يتكلم.
اندفع نحو زينة، وسحبها من بين ذراعي سيف المنهكتين غصبًا عنه.
قاومه سيف لثوانٍ، وصاح:
- سيبها! أنا اللي هشيلها!
دفعه طارق بكتفه بقوة حتى أسنده إلى جدار السلم، وتحدث بنبرة غاضبة وحاسمة:
- فوق لنفسك يا سيف! إنت هتقع بيها.. انزل افتح بيبان العربية.. حنين شدي أخوكي ورايا!
جذبت حنين سيف من جاكيته بعنف، وهي تبكي وتصرخ فيه:
- امشي يا سيف! امشي مش وقت جنانك ده.. البنت هتروح مننا!
ظل سيف للحظة عاجزًا عن الحركة.
ثم تحرك كالأعمى.
صمت مقبرة السيارة
داخل السيارة، كان الإيقاع خانقًا.
لا مواساة.
لا وعود كاذبة.
زينة كانت ترقد ورأسها في حضن حنين، التي تهمس بآيات قرآنية وصوتها يتهدج من شدة البكاء.
أما سيف، فكان يجلس في المقعد الأمامي بجوار طارق، متصلبًا، وعيناه مثبتتان على زجاج السيارة الأمامي.
لم يتكلم أحد.
حتى قطع سيف الصمت فجأة.
التفت إلى طارق وقال بصوت منخفض، هادئ بشكل مخيف:
- لو مات يا طارق.. أنا مش هسامحها مش هسامحها أبدًا.
ضغط طارق على فرامل السيارة بعنف، فأحدثت هزة قوية، ثم التفت إليه بعينين تشتعلان غضبًا:
- إنت اتهبلت؟ مش هتسامح مين؟ البنت بتتصفى ورا وإنت بتفكر في العيل بدل ما تقول إنك مش عايز غيرها! بدل ما تدعي تقوم بسلامة! بدل ما تخسرها وساعتها مش هتعرف ترجعها تاني؟
لم يرمش سيف.
ظل ينظر أمامه، وقال بالنبرة الميتة نفسها:
- هي اللي عاشت مرعوبة من غير داعي. خوفها هو اللي قتله، مش مرضها يا طارق.. أنا بقالي خمس شهور بقطع في قلبي عشان أحميها من رعبها، وهي مستسلمة للذكرى القديمة. أنا كنت بتابعها وعملت المطلوب بالحرف.. نفسيتها كانت بتسوء بسبب تفكيرها، مش الواقع اللي كانت عايشة فيه.
صرخت حنين من الخلف، وهي تبكي بعنف:
- حرام عليك يا سيف! اتقي الله فيها.. البنت بتموت من الوجع وإنت بتلومها؟
سمعت زينة الكلمات.
أغمضت عينيها ببطء.
وانسابت دمعة صامتة حفرت مجراها على وجهها المليء بالعرق البارد، بينما استسلم جسدها تمامًا بين ذراعي حنين.
تحولت ممرات المستشفى إلى ساحة حرب.
سحب طاقم التمريض زينة على المحفة بسرعة، بينما حاول سيف الاندفاع وراءهم.
أوقفه الممرضون بحزم.
- أنا مش هقعد بره!
دفع أحد الممرضين بيده وصاح بهستيريا:
- إنتوا السنة اللي فاتت قولتوا لي استنى بره وخرجتوا بالطفل ميت! مش هكرر نفس الغلطة!
اندفع طارق من الخلف، وأمسك سيف من طوق رقبته، وثبته بقوة أمام الجدار البارد، وهو يصيح في وجهه:
- اتهد بقا! إنت محدش قادر عليك! هتبوظ شغلهم! الدكاترة عارفين بيعملوا إيه.. اقعد هنا واخرس شوية واذكر ربنا بدل عصبيتك دي!
حاول سيف مقاومته للحظات.
ثم انهار.
ارتخت ركبتاه وانزلق إلى الأرض الرخامية، واضعًا يديه الملطختين بالدم على وجهه.
ساد الصمت.
كان منظره كرجل جُرّد من كل أسلحته، ولم يبقَ له أمام خوفه سوى الانتظار.
مرت فترة بدت كأنها دهر.
ثم خرجت الطبيبة.
لم تكن ملامحها تحمل أسى، بل كانت غاضبة ومشدودة.
لم يقف سيف.
رفع رأسه إليها من مكانه على الأرض بعينين محطمتين.
وقفت الطبيبة أمامه وتحدثت بنبرة حادة، خالية من أي تجميل:
- النزيف وقف.. والبيبي لسه عايش.. بس إنتوا الاتنين مجانين على فكرة.
انتفض سيف واقفًا، وعروق عنقه بارزة:
- يعني إيه عايش؟ والدم ده كله إيه؟
نظرت إليه الطبيبة بصرامة:
- انفصال جزئي في المشيمة بسبب نوبة ضغط عالي مفاجئة.. زينة جسمها بيترجم الرعب لسموم بتموت العيل. لولا حقن السيولة اللي إنت منتظم فيها كان الانفصال بقى كلي وفقدناه من ساعة.. بس اسمعني يا سيف، المرة الجاية مفيش مستشفى هتلحقكم. المدام هتقعد في المستشفى هنا لحد ما تولد.. مفيش خروج، ومفيش حركة، ومفيش كلام في أي شيء.. لو مش هتعرف تتحكم في جنانك وخوفك ده وتنقله ليها، يبقى بلاش تدخل لها أصلًا.
ظل سيف ينظر إليها دون كلام.
كان يسمع كل كلمة، لكن كلمة واحدة فقط ظلت تتردد في رأسه:
البيبي لسه عايش.
تنفس طارق الصعداء، وأمسك بكتف سيف وهزه بقوة:
- سمعت؟ الولد عايش.. فك بقا واسترجل عشانها شوية! البت سمعتك.. ربنا يستر ومتطلعش عليك الدقايق اللي عدو عليها شايفة الموت بعينيها.
دخل سيف الغرفة بمفرده، بعد أن طلب من طارق وحنين البقاء في الخارج.
كانت الغرفة باردة، وصوت جهاز النبض يصدر دقات منتظمة وسريعة، كأنها طبول حرب.
زينة كانت مستلقية، وجهها شاحب كالجدار، وعيناها معلقتان بالسقف بنظرة خالية من أي مشاعر.
لم يجر سيف كرسيًا.
ظل واقفًا فوق رأسها، ينظر إليها لثوانٍ في صمت.
ثم تحدث بصوت خشن ومكسور:
- أنا قولت لطارق في العربية إني مش هسامحك لو العيل مات.. وكنت أقصدها.
لم تلتفت إليه.
لكن شفتها السفلى ارتعشت:
- عارفة.. وإنت عندك حق.. أنا اللي ضعيفة وكنت هضيع ابني بسبب تفكيري السلبي وإهمالي.
انحنى سيف فجأة.
أمسك بوجهها بين كفيه الملطختين بدمها الجاف، وأجبرها على النظر في عينيه المحتقنتين.
خرجت كلماته حادة، أنانية، ومليئة بعشق مشوه من فرط الخوف:
- إنتِ غبية لو فاكرة إني خايف على العيل! طظ في يوسف وطظ في أي طفل في الدنيا لو التمن إنه يخليني أشوفك غرقانة في دمك تاني أو تروحي مني! أنا مش هسامحك لأنك مستخسرة تحاربي عشان تفضلي معايا.. لأنك مستسلمة للموت وسايباني لوحدي في النص. الحقن اللي بتزقّي بطنك دي بتموتني أنا كل يوم بالبطيء.. أنا سايب دنيتي كلها وقاعد تحت رجليكي مش عشان العيل أصلًا.. عشانك إنتِ! إنتِ مش مسموح لك تموتي يا زينة.. مش مسموح لك تسبيني أعيش الجحيم ده لوحدي. الدكتورة قالت مفيش حركة من السرير ده لحد ما تولدي..
انفجرت دموع زينة أخيرًا.
رفعت يديها الضعيفتين المرتعشتين، وتمسكت بمعصميه اللذين يقبضان على وجهها.
تحركت شفتاها بصوت واهن، لكنه حقيقي وثابت:
- ابني عايش مش كدا؟
أمالت رأسها لتستقر جبهتها على كفه الجافة، وأغلقت عينيها.
ظل سيف واقفًا مكانه، وعيناه شاخصتان نحو شاشة النبض.
دقات صغيرة.
منتظمة.
حياة ما زالت موجودة.
الفصل العشرون
أربعة أشهر داخل الزنزانة رقم 304 بالمستشفى لم تمر كأيام، بل كعملية "ترميم ميكانيكي" لجسد زينة المنهار. أُغلقت الشقة القديمة، واختُصرت الحياة في مساحة سرير حديدي رُفعت قاعدته لتبقى زينة مستلقية معظم الوقت، تحارب الجاذبية وتتمسك ببقاء يوسف داخلها.
طارق ابتلع السوق في الخارج، وتشوهت ملامحه من ضغط العمل، بينما تحولت حنين إلى آلة رعاية يومية؛ تدخل في صمت، تضع الطعام، وتراقب سيف الذي تحولت عيناه إلى "رادار" لا يرمش.
سيف لم يعد سيف القديم. ذقنه الكثيفة اختلطت ببياض حاد، وجلسته على الكرسي الجلدي صارت أشبه بوضعية قناص ينتظر رصاصته الأخيرة.
وضعت حنين حقيبة معقمة على الطاولة، وقالت بنبرة خشنة محاولة كسر جمود الغرفة:
"الدكتورة بلغت طارق بره إن السونار أظهر تكلس في المشيمة.. إحنا رسمياً في أول يوم من التاسع، والرئة أخدت غسيل الكورتيزون خلاص. مفيش داعي للرعب ده يا سيف."
لم يحرك سيف رأسه، وظل ضاغطاً على أصابع زينة الباردة، حتى ترك ضغط أصابعه علامات بيضاء على جلدها.
"الرعب مش هيفك من جسمي يا حنين إلا لما العيل ده يطلع من بطنها وصريخه يهد السقف..او زينة ترجع تنور بيتها والأيام دي تروح من حياتنا نفسي افرح ياحنين."
نظرت زينة إلى السقف بجفاف
".. أنا جسمي استوى من نومة الخشب دي.. تعبت حاسة اني اندفنت ف السرير خرجوني من هنا"
انحنى سيف وشبك جبهته بجبهتها، هانت ياحبيتي والله انتي جبل انك مستحملة دا كله الدكتورة قالت كلها أيام وهتولدي ."
????
خان الجسد الجدول الطبي في تمام الرابعة فجراً.
لم يكن هناك مغص تدريجي أو مقدمات واضحة، بل جاءت الصدمة فجأة. أصدر جهاز قياس الضغط الآلي صفيراً متصلاً وشديد الحدة، كأن إنذاراً انطلق داخل الغرفة.
تشنج جسد زينة بالكامل، وارتفعت كتفاها عن السرير، بينما جحظت عيناها في سيف بنظرة رعب مباغتة. انطلقت خيوط العرق من جبينها، وتسارعت أنفاسها.
قفز المؤشر إلى 200 خلال ثوانٍ.
كتمت زينة صرختها بعض أسنانها على وسادتها، ثم خرج صوتها كفحيح محترق:
"سيف.. المشيمة بتتقطع.. أنا سامعة صوت جوه بطني والله نادي الدكتور بسرررررعة
لم يستدعِ سيف الممرضة، بل اندفع إلى الممر وجر الطبيب المقيم من ياقته بعنف، فالتفت الجميع إليه.
"مراتي بتولد جهزو غرفة العمليات لو حصلها حاجة انا هحرقلكم المستشفي دي سامعين؟
????
انفتحت أبواب الممر على حركة سريعة ومربكة. وصلت الاستشارية بملابس العمليات، وفحصت زينة سريعاً، ثم التفتت إلى طاقمها بصوت حاسم:
"انفصال مفاجئ بسبب قفزة الضغط.. الحالة بتدخل في نوبة تشنج حمل (Eclampsia).. ترولي العمليات فوراً، مفيش وقت للتعقيم الكامل.. إحنا بننقذ الأم!"
وصل طارق وحنين في اللحظة نفسها تقريباً. سحب طارق سيف الذي كان يترنح كأنه فقد القدرة على استيعاب ما يحدث، وضغط على كتفيه بقوة:
"ادخل معاها غرفة العمليات وم تسيبهاش لحظة.. خليك الحيطة اللي سنداها! هي دلوقت مرعوبة ولازم تفتح عينها عليك اول واحد ياسيف"
????
داخل غرفة العمليات الطارئة، بدت الأجواء أشبه بموقع حادثة.
رائحة اليود والمطهرات ملأت المكان، والأضواء البيضاء القوية كشفت شحوب وجه زينة. تم التخدير النصفي بسرعة، وجلس سيف عند رأسها مرتدياً ملابس التعقيم الزرقاء فوق ثيابه العادية، بينما كان جسده كله يرتجف.
أمسك سيف كفيها، وضغطهما فوق وجه زينة الشاحب، محاولاً إجبارها على التركيز فيه:
"زينة! ركزي ياماما ف عيني زينة اوعي تغمضي عينك حبيتي بصيلي ها
انا بحبك يازينة والله هتقومي بسلامة وهتربي إبننا ف حضنك
تحركت شفتاها الزرقاء بصعوبة، بينما بدأ الوعي يهرب من عينيها:
"سيف.. أنا روحي بتتسحب.. مني مش قادرة سيف انا بنهار
انهمرت الدموع من عينيه المحتقنتين:
قولي الشهادة ياحبيتي قوليها
وعلى الجانب الآخر من الستار الأخضر، كانت الحركة مرعبة.
أصوات الأدوات المعدنية تتداخل مع تعليمات الطبيبة الحادة:
"أدرينالين فوراً.. ثبتوا الضغط.. المشيمة ملوية.. ارفعوا البيبي بسرعة قبل ما يحصل ضمور!"
ثم ساد صمت مفاجئ.. مرعب.. وثقيل.
انقطع صوت الآلات والأطباء لثوانٍ تجمدت فيها الدماء في العروق.
شعر سيف بأن روحه انشطرت. هبط جسد زينة على السرير بارتخاء كامل، وكأنها فارقت الحياة، ليعيد القدر أمامه صياغة مشهد الفقد القديم بكل تفاصيله.
ولكن، وسط هذا النفق المظلم،
صرخة بدائية، غاضبة، حادة، وممتلئة بالحياة، دوت لتزلزل جدران الغرفة المعقمة. صرخة طفل يعلن كسر السلسلة اللعينة للذكرى والنزيف.
رفعت الاستشارية الطفل عارياً، دافئاً، ومغطى بآثار المعركة، وتحدثت بنبرة مجهدة ومبتهجة:
"مبروك يا سيف.. مبروك يا زينة.. يتربي ف عزكم عيل زي القمر."
انهار سيف بالكامل؛ سقط برأسه فوق عنق زينة، وانفجر في بكاء هستيري وعنيف، نشيج طويل ومكتوم يغسل به مئات حقن السيولة التي غرسها في بطنها، وكل ساعة رعب قضاها يراقب نَفَسَها في الظلام.
فتحت زينة عينيها ببطء، وجرت الدموع الحارة على وجنتيها. لم تكن دموع هزيمة؛ بل دموع حياة جديدة ولدت من قلب الموت.
أحضرت الممرضة يوسف بعد لفه بوشاح قطني، ووضعته على صدر زينة العاري. لمست زينة جلد طفلها الساخن بأصابع ترتعش، وهمست بنبرة استردت روحها:
"إنت جيت بجد يا حبيبي نورت حضني ياقلب ماما."
????
بعد أسبوعين، دار المفتاح في قفل الشقة القديمة.
لم يكن هناك صخب ولا زينة معلقة، بل هدوء عميق وراسخ يليق بمحاربين عادا أخيراً من جبهة القتال.
دخل طارق أولاً يحمل الحقائب، وخلفه حنين تسير ببطء وتساند زينة التي كانت تخطو بثبات، ممسكة بيوسف بين ذراعيها كأنه درعها الأخير.
دخل سيف أخيراً. استرخت ملامحه تماماً، وتلاشت الخطوط المشدودة في وجهه، بينما بدت علامات الشيب في شعره واضحة كأثر لكل ما مر به.
وضع طارق الحقائب في الصالة، ثم التفت إلى سيف وضربه على كبده بخفة:
"كده أنا أسلمك عهدة الشركة وتنزلي السوق يا بطل.. أنا اتهديت الشهور اللي فاتت لوحدي معدش ليك حجة."
عانق سيف طارق بقوة وامتنان، واهتزت كتفاهما من شدة التأثر:
"جميلك أنت وحنين في رقبتي ليوم الدين.. شلتوني وأنا مكسور ومهدود، وعمري ما هنسى دا منكم ابدا."
اقتربت حنين من زينة، وقبّلت رأسها والطفل، وقالت وعيناها تلمعان بالفرحة:
"البيت رجعتله الروح يا زينة.. نورتي بيتك ياحبيتي ارتاحي دلوقت وانا بكرة هكون عندك من النجمة
ابتسمت زينة لها، بينما حمل سيف الحقائب ووضعها جانباً.
وبعد أن غادر طارق وحنين، أغلق سيف الباب خلفهما بالمفتاح.
التفت ليرى زينة وقد جلست على أريكة الصالة، ترضع يوسف في سلام تام، بينما خيوط شمس العصر الدافئة تخترق النافذة وتمسح غبار الكابوس القديم عن الأثاث
????????
في المساء، دخل سيف غرفة النوم بخطوات وئيدة.
كانت زينة قد وضعت يوسف في مهد خشب صغير بجوار سريرهما، وتقف متأملة هدوء أنفاسه الصغيرة المنتظمة.
اقترب سيف من الخلف، وأحاط خصرها بذراعيه، ودفن وجهه في عنقها، يستنشق رائحتها التي استردت أمانها الكامل.
التفتت زينة في أحضانه، ورفعت كفيها لتلمس الشيب الجديد الذي غزا خصلات شعره:
"سيف.. أنا أسفة على كل لحظة رعب ويأس عيشتك فيها.. وعلى الوجع اللي شيلته بسببي."
أمسك سيف بكفيها، ونظر في عينيها بعمق وثبات، وخرج صوته دافئاً وقاطعاً:
"الشيب ده، والكدمات اللي في بطنك، وكل ثانية خوف عيشناها.. دي مش أوجاع يا زينة، دي غرز الختام للمعركة اللي خوضناها سوا وكسبناها. واثمرت ع أجمل شيء ف الدنيا وهو يوسف."
انحنى وقبّل جبهتها قبلة طويلة دافئة، ثم التفت الاثنان معاً نحو المهد الصغير حيث كان يوسف يتنفس بانتظام؛ معلنين رسمياً إغلاق دفاتر الوجع، وبداية الفصل الأجمل في حياتهما.
تمت بحمد الله







![توجيهات رئاسية عاجلة ببناء منزل جديد لأسرة متضررة من قصف باليستي في حي صينة بتعز - [فيديو]](https://ar.masrqq.com/temp/thumb/75x75_uploads,2026,10,21,b33e6b826b.jpg)





0 تعليق