نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الأمسية الأولى للفنون التشكيلية بالأعلى للثقافة تناقش فان جوخ بين السينما والنقد الفني, اليوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026 11:42 مساءً
تحت رعاية الدكتور عبد العزيز قنصوة - القائم بأعمال وزير الثقافة؛ وبإشراف الدكتور أشرف العزازي- الأمين العام للمجلس الأعلى للثقافة ؛ والدكتور محمود حامد - رئيس قطاع الفنون التشكيلية؛ والأستاذ وائل حسين- رئيس الإدارة المركزية للشعب واللجان الثقافية؛ والأستاذ الدكتور عادل ثروت - مقرر لجنة الفنون التشكيلية؛ بدعوة أقيمت الأمسية الفنية الأولى من سلسلة العروض السينمائية التي نظمتها لجنة الفنون التشكيلية بالتعاون مع قطاع الفنون التشكيلية؛ تحت عنوان " الفنان التشكيلي بين الدراما السينمائية والنقد الفني"،
وتناولت العرض السينمائي الأول: الفنان فان جوخ "نموذجًا"؛ وتتضمن السلسلة تقديم رؤية درامية لحياة فناني الحداثة وما بعد الحداثة ومنجزهم الإبداعي، بالإضافة إلى تقديم رؤية نقدية وفنية وجمالية موازية للعروض يطرحها أساتذة متخصصين في النقد والتذوق الفني وأيضًا فنانين تشكيليين.
واستهل الدكتور عادل ثروت فعاليات الندوة بالترحيب بالحضور، معربا عن تقديره لبدء هذا التعاون، ومتمنيا أن يثمر عن سلسلة من اللقاءات المهمة، موضحا أن البرنامج يتضمن حلقة شهرية على مدار خمسة أشهر، تتناول نماذج مختلفة من الفنانين التشكيليين الذين تحولت سيرهم وتجاربهم إلى أعمال سينمائية.
وتناول ثروت أسباب اختيار السينما لسير بعض الفنانين التشكيليين، موضحا أن السينما صناعة مكلفة تبحث دائما عن الجمهور والعائد، وهو ما يطرح تساؤلا حول الأسباب التي تدفع المنتج والمخرج إلى تحويل حياة فنان تشكيلي إلى عمل سينمائي، رغم وجود مئات الفنانين عبر تاريخ الفن.
وأشار إلى أن عدد الفنانين التشكيليين الذين تناولتهم السينما بصورة بارزة لا يتجاوز نحو عشرة فنانين، بينما تناولت السينما بعض الشخصيات أكثر من مرة وبرؤى مختلفة، ومن أبرزهم فان جوخ وبيكاسو وميكلأنجلو وموديلياني وفريدا كالو، إلى جانب فيرمير الذي تناول فيلم الفتاة ذات القرط اللؤلؤي جانبا من حياته وتجربته الفنية.
وأكد أن المعيار الأساسي لاختيار الفنان يتمثل في امتلاكه سيرة ملهمة وقصة تحمل عناصر الدراما، مشيرا إلى أن حياة فان جوخ تحديدا تمثل نموذجا استثنائيا للسيرة التي تحمل بدايات وتحولات وصراعات ونهاية مأساوية.
وأوضح أن حياة فريدا كالدهلو على سبيل المثال تزخر بالمواقف القاسية التي تصلح للمعالجة السينمائية، بينما يمثل صراع ميكل أنجلو مع البابا أثناء رسم سقف كنيسة سيستينا مادة درامية ثرية، كما أن تمسك موديلياني بأسلوبه ورفضه التنازل عن قناعاته الفنية مقابل المال، ثم موته فقيرا ومريضا، شكل عناصر درامية قوية، في حين قدمت السينما بيكاسو باعتباره شخصية مثيرة للجدل والاستفزاز.
وأشار ثروت إلى أن أفلام السير الذاتية لا تقتصر على الفنانين التشكيليين، وإنما تشمل أيضا الشخصيات السياسية وتحدث عن المخرج والممثل مارتن سكورسيزي الذى أدى دور فان جوخ، موضحا أن الفيلم قدم تصورا تخيلا لفنان يدخل إلى داخل اللوحات، وهو ما كان له تأثير كبير على طلاب الفنون عندما عرض الفيلم في مجمع الفنون في أوائل التسعينيات، لما حمله من فكرة مبتكرة حول تحريك اللوحة والدخول إلى عالمها.
وأكد ثروت أهمية الجمع بين السينما والنقد الفني، باعتبار أن تناول الفنان من زاوية الناقد والسينمائي معا يفتح مساحة أوسع لفهم تجربته، موضحا أن معرفة قصة العمل الفني تساعد المتلقي على قراءة اللوحة بصورة أعمق، مستشهدا بفيلم الفتاة ذات القرط اللؤلؤي الذي جعل اللوحة أكثر رسوخا في ذاكرة الجمهور بعد التعرف على قصتها.
ومن جانبها قدمت دكتورة رحاب هارون قراءة نقدية في حياة فان جوخ وفنه، اعتمدت خلالها بصورة أساسية على رسائله إلى شقيقه ثيو، مؤكدة أن رحلته الفنية التي امتدت لنحو عشر سنوات لا يمكن فهمها بمعزل عن خلفيته الأسرية والنفسية والتحولات التي مر بها.
وأوضحت أن فان جوخ نشأ في أسرة ميسورة ومتدينة، فكان والده قسا، بينما كانت والدته تهتم بالفن والطبيعة، كما ارتبط عدد من أفراد الأسرة بتجارة اللوحات، وهو ما ساهم في تكوين علاقته المبكرة بالفن والطبيعة.
وأشارت إلى أن فان جوخ ولد بعد وفاة طفل سابق لوالديه حمل الاسم نفسه، وكان يمر بصورة متكررة على قبر يحمل اسمه، وهو ما أسهم في تكوين شعور داخلي لديه بأنه يعيش بوصفه بديلا، لتتحول هذه التجربة إلى جزء من أزمته الوجودية وصراعه الداخلي.
وتطرقت إلى انتقاله من الوعظ الديني إلى الفن، موضحة أنه عمل واعظا استجابة لرغبة والده، لكنه تعاطف بشدة مع الفلاحين والعمال الفقراء، وتخلى عن مخصصاته وحتى مسكنه، الأمر الذي أدى إلى شكوى الكنيسة منه ثم فصله.
وأكدت أن هذه المرحلة مثلت بداية رحلة البحث عن الذات، حيث دخل في صراع بين رغباته الشخصية والصورة التي كان يتوقعها الآخرون منه، قبل أن يقرر دراسة الفن رغم اعتراض أسرته، وخاصة والدته التي لم تكن ترى الفن مهنة مناسبة.
وأوضحت أن تجربته في تجارة اللوحات مع شقيقه ثيو لم تمنحه الإحساس بالتحقق، قبل أن يبدأ دراسته الفنية على يد الفنان الأكاديمي أنطون موف في لاهاي، ثم التحق بأكاديمية أنتويرب، لكنه لم يتقبل القيود الأكاديمية وسخر من بعض قواعدها.
وأكدت هارون أن الفنان الحقيقي يعمل بوصفه باحثا، ويكون لنفسه مكتبة من الأدوات الفنية التي يستطيع الاختيار منها بحرية قبل صياغة رسالته، مشيرة إلى أن رسائل فان جوخ إلى شقيقه ثيو تمثل مفتاحا مهما لفهم اختياراته اللونية ورؤيته لأعماله.
واستعرضت أهم المحطات التي مرت بها تجربته الفنية، بدءا من نونين في هولندا، حيث عاد إلى حياة الفلاحين وقدم نفسه بوصفه رسام الفلاحين، موضحة أن لوحاته في تلك المرحلة لم تكن نتاج اندفاع عفوي، وإنما سبقتها دراسات وتحضيرات متعددة بالزيت والرصاص.
وتوقفت عند لوحة آكلو البطاطس، موضحة أن عناصرها البصرية تعكس بوضوح حياة الفلاحين وشقاءهم، من خلال الكوخ والنافذة المظلمة والساعة التي تشير إلى السابعة مساء، ومصدر الضوء الوحيد المتمثل في المصباح، إلى جانب الألوان الترابية المستمدة من لون البطاطس وملامح الوجوه والأيدي الخشنة.
ثم انتقلت إلى مرحلة باريس، حيث تعرف فان جوخ على الانطباعيين وعلى الألوان الأكثر خفة والضوء، وهو ما أحدث تحولا جذريا في أسلوبه مقارنة بمرحلة لوحاته الداكنة، كما تأثر بالمطبوعات اليابانية وأعاد صياغة بعض الأعمال المستوحاة منها، مستفيدا من ألوانها الصافية والمضيئة.
وفي مرحلة آرل، أشارت إلى حلم فان جوخ بتكوين تجمع فني يضم مجموعة من الفنانين لتبادل الأفكار والخبرات، ولم يستجب لهذا الحلم سوى بول جوجان، الذي عاش معه فترة قصيرة انتهت بخلافات عميقة.
وأوضحت أن الاختلاف بين فان جوخ وجوجان لم يكن شخصيا فقط، وإنما ارتبط أيضا برؤية كل منهما للفن، حيث كان جوجان يعتمد بصورة أكبر على الرسم من الذاكرة، بينما كان فان جوخ يميل إلى الرسم من الواقع، وهو ما أدى إلى نقاشات وخلافات متكررة بينهما.
وتناولت أزمة الأذن الشهيرة، موضحة أن فان جوخ لم يقطع أذنه كاملة أمام حبيبته كما يرد في بعض الروايات المتداولة، وإنما أصابها بجرح شديد أدى إلى نزيف كبير، وفقا لما توصلت إليه في بحثها.
وأضافت أنه دخل بعد ذلك إلى المصحة، ورسم نفسه بالأذن المضمّدة، مشيرة إلى أن الطبيب لاحظ أنه كان في أفضل حالاته أثناء الرسم، وأنه لم يكن يمارس الرسم خلال نوبات الهذيان.
وتطرقت إلى الجدل حول طبيعة مرضه، مؤكدة أنها عرضت مجموعة من الاحتمالات دون الجزم بتشخيص محدد، ومن بينها احتمالات مرتبطة بالتسمم من بعض أكاسيد الألوان أو آثار بعض العلاجات المستخدمة في ذلك العصر، مشيرة إلى أن الباحثين في الوقت الحالي يتعاملون بحذر مع محاولات تشخيص حالته نفسيا بأثر رجعي.
وشددت هارون على أن تجربة فان جوخ لم تكن مجرد اندفاع انفعالي، وإنما كانت قائمة على وعي فني واضح، وهو ما تؤكده رسائله واختياراته الدقيقة في اللون والتكوين.
واستشهدت بلوحة عباد الشمس التي استخدم فيها ثلاث درجات من الأصفر الكرومي مع مسحة من الأخضر الفيروزي، ولوحة غرفة النوم في آرل التي قرر فيها التخلي عن الظلال والاعتماد على منظور مسطح أو متعدد.
كما تناولت لوحة ليلة مرصعة بالنجوم، موضحة أن فان جوخ لم ينقل الواقع كما تراه العين، وإنما نقل انطباعه الداخلي عنه، حيث يمثل السرو رمزا للموت أو الآخرة ويربط بين الأرض والسماء، بينما جاءت البيوت من خياله، وجاء التباين بين الأزرق البارد والأصفر المضيء معبرا عن إحساسه بالوحدة، إلى جانب ضربات الفرشاة الحلزونية التي أصبحت من أبرز سمات أسلوبه.
وأكدت أن فان جوخ تحرر في أواخر أعماله من حسابات البيع وانتظارات الصالات الفنية، وأصبح اللون بالنسبة إليه وسيلة للتعبير عن الذات وتحقيقها.
وتناولت أيضا لوحة أزهار اللوز التي أهداها لمولود شقيقه ثيو الذي حمل اسم فينسنت، مشيرة إلى وضوح تأثرها بالمطبوعات اليابانية، كما توقفت عند عدد من أعماله المتأخرة، ومن بينها الغربان وجذور الشجرة.
واختتمت الندوة بالتأكيد على غزارة إنتاج فان جوخ رغم قصر مسيرته الفنية، حيث رسم خلال فترة وجوده في المصحة نحو مئة وخمسين لوحة، بمعدل يقارب لوحة يوميا، بينما أنتج خلال نحو عشر سنوات ما يقارب سبعمئة إلى ثمانمئة عمل.
وأكدت الندوة أن قيمة الفنان وأثره لا يقاسان بطول مسيرته الفنية، وإنما بما يتركه من أثر وبصمات قادرة على الاستمرار، مشيرة إلى أن بعض الفنانين استطاعوا ترك تأثير كبير خلال سنوات قليلة.

















0 تعليق