- العطر يتحول من منتج موسمي إلى عادة كويتية يومية
- المنتجات الجديدة والخصومات تعيد رسم المنافسة في السوق
أحمد مغربي
في مجمعات الكويت التجارية، يكفي أن يخطو الزائر خطوات قليلة حتى تتبدل الرائحة من عود ثقيل إلى مسك ناعم، ثم إلى عطر فرنسي أو خلطة شرقية أعدت بعناية لتلائم الذوق الكويتي المعروف بشغفه بالعطور. زجاجات مصطفة بعناية، ومباخر تعمل بلا توقف، وموظفون يرشون العينات على شرائط ورقية صغيرة، فيما يتنقل الزوار من جناح «بوث» إلى آخر بحثا عن رائحة جديدة، أو تركيبة مختلفة، أو خصم قوي على عطر مفضل.
وبين تجربة وأخرى، تتحول جولة التسوق العادية إلى رحلة حسية كاملة، زائر يشتري عطرا للاستخدام اليومي، وآخر يبحث عن دهن عود لمناسبة، وثالث يختار مجموعة مغلفة بعناية لتقديمها هدية، مشهد يكشف عن سوق لا تعتمد على الرائحة وحدها، بل تتحرك فيها الذائقة والعروض والمواسم والتغليف والتوصيل، وتتنافس العلامات على جعل العطر تجربة تبدأ قبل الشراء وتستمر بعده.
وخلف هذا المشهد اليومي تتحرك أرقام كبيرة، فوفق بيانات الإدارة المركزية للإحصاء، بلغ إجمالي واردات الكويت من الزيوت العطرية ومحضرات العطور والتجميل نحو 274.9 مليون دينار خلال 2025، مقابل 236.86 مليون دينار في 2024، بزيادة بلغت 38.08 مليون دينار ونمو سنوي نسبته 18.08%، بما يعكس اتساع حجم المنتجات المتدفقة إلى السوق المحلي وقوة النشاط في هذا القطاع.
الرائحة تدخل تفاصيل الحياة
في الكويت، لا ينتظر العطر مناسبة محددة حتى يجد طريقه إلى سلة المشتريات، هناك عطر للعمل، وآخر للمناسبات، وبخور للمنزل، ودهن عود للزيارات، وروائح مخصصة للهدايا والأعراس والأعياد، وهو ما منح القطاع قدرة على الاستمرار طوال العام بدلا من الارتباط بموسم واحد.
ومع اتساع الاستخدامات، اتسعت كذلك الخريطة السعرية، من منتجات تستهدف الاستخدام اليومي بأسعار متاحة لشريحة واسعة، إلى عطور فاخرة وخلطات خاصة وعود نادر ومنتجات ذات تغليف فاخر، بما جعل السوق قادرة على مخاطبة مستويات مختلفة من الإنفاق.
وهكذا لم يعد السؤال داخل متجر العطور مقتصرا على «ما الرائحة التي تفضلها؟»، بل امتد إلى حجم العبوة، وثبات الرائحة، ونوع التركيبة، وطريقة التغليف، والسعر، وما إذا كان المنتج سيستخدم شخصيا أم يقدم هدية.
الخصم يدخل المنافسة
ومع كثرة الخيارات، أصبحت طريقة البيع جزءا أساسيا من المنافسة، فمن عبوتين بسعر خاص إلى هدية مع الشراء، ومن تخفيضات على مجموعات مختارة إلى باقات تجمع أكثر من منتج، تتسابق المتاجر والعلامات على تقديم عروض تجعل المستهلك أكثر استعدادا لتجربة رائحة جديدة أو شراء كمية أكبر.
ولم تعد الخصومات مرتبطة فقط بتصفية المخزون، بل أصبحت وسيلة لجذب العميل إلى المتجر ثم الاحتفاظ به، خصوصا مع إطلاق تركيبات جديدة بصورة مستمرة، وظهور علامات محلية وخليجية تبحث عن مساحة لها وسط سوق مزدحم بالخيارات.
وتدفع هذه المنافسة الشركات إلى الاستثمار في تجربة العميل نفسها، من تصميم العبوة وشكل الزجاجة إلى التغليف الفاخر وتخصيص الهدايا والتوصيل السريع، بحيث لم يعد المنتج وحده هو محور البيع، وإنما التجربة المحيطة به كاملة.
العطر ينتقل إلى الهاتف
وفي موازاة المتاجر التقليدية، توسعت قنوات الشراء الرقمية، فأصبح المستهلك قادرا على إعادة طلب عطره المعتاد أو شراء هدية أو مقارنة الأسعار من هاتفه، بينما تستخدم العلامات منصاتها الرقمية للإعلان عن الإصدارات الجديدة والخصومات والتوصيل.
هذا التحول منح السوق امتدادا يتجاوز موقع المتجر نفسه، وجعل العلاقة مع العميل مستمرة طوال اليوم، إذ يمكن لعملية الشراء أن تبدأ بمشاهدة إعلان على الهاتف وتنتهي بوصول العطر إلى المنزل.
ومع توسع هذه القنوات، أصبحت المنافسة تدور في الوقت نفسه داخل المول وعلى شاشة الهاتف، ما يضيف بعدا جديدا لسوق يرتبط أصلا بالتجربة المباشرة للرائحة.
وفي المحصلة، تكشف قيمة الواردات البالغة 274.9 مليون دينار عن قطاع تتجاوز دائرته زجاجة العطر نفسها. فحولها تتحرك تجارة التجزئة والتغليف والهدايا والتوصيل والتسويق الإلكتروني والبخور والعود والإكسسوارات المرتبطة بها، ليصبح العطر منتجا صغيرا في حجمه، لكنه يقف خلف سوق بمئات الملايين من الدنانير لا تفارقه الرائحة ولا تهدأ فيه المنافسة.
الهدية تبدأ من العطر ولا تنتهي عنده
يمثل العطر أحد المنتجات التي تتحول بسهولة من شراء شخصي إلى هدية، وهو ما يخلق حوله دائرة إنفاق إضافية تشمل الصناديق الفاخرة والتغليف والبطاقات والمباخر ومجموعات العود والبخور.
ومع المناسبات الاجتماعية والأعياد والأعراس، لا تصبح قيمة الهدية مرتبطة بالعطر وحده، بل بالطريقة التي يقدم بها أيضا. ولذلك توسعت العلامات في تصميم مجموعات جاهزة وخيارات تغليف أكثر فخامة، بما أوجد نشاطا مكملا لسوق العطور نفسها. وهكذا يمكن لزجاجة واحدة أن تحرك مبيعات في أكثر من نشاط، من التغليف والإكسسوارات إلى التوصيل والخدمات المرتبطة بالهدايا.
من خلطة خاصة إلى علامة تجارية
لا تبدأ جميع العلامات من مصانع ضخمة أو شبكات متاجر كبيرة، إذ يمكن أن تنطلق الفكرة من تركيبة عطرية خاصة ثم تتحول تدريجيا إلى اسم تجاري له قاعدة عملاء. وتساعد طبيعة السوق الكويتي، التي تجمع بين الاهتمام بالعطور والاستعداد لتجربة الروائح الجديدة، على منح المنتجات الجديدة فرصة للوصول إلى المستهلك.
ومع بناء الهوية والتغليف والحضور الرقمي وخدمة التوصيل، تتحول الرائحة من منتج منفرد إلى علامة تبحث عن التوسع والاستمرارية، وتبرز هنا أهمية القدرة على ابتكار تركيبات مميزة والحفاظ على الجودة، باعتبارهما عنصرين حاسمين في تحويل العميل من مشتري لمرة واحدة إلى زبون دائم.


















0 تعليق