عيون مصر

بين 75 و110 دولارات للبرميل.. كيف تدير وزارة البترول "معادلة الفجوة التمويلية" لمنع انقطاع الكهرباء؟

المصدر
أهل مصر

تواجه الحكومة تحديا متزايدا في تأمين احتياجاتها من الطاقة، مع ارتفاع أسعار النفط والغاز عالميا، وزيادة تكلفة استيراد الوقود اللازم لتشغيل محطات الكهرباء، في وقت تسعى فيه الحكومة إلى ضمان انتظام الإمدادات وتجنب العودة إلى تخفيف الأحمال، دون تحميل الموازنة العامة أعباءً تفوق قدرتها على التحمل.

وتتمثل معادلة الفجوة التمويلية في قدرة الدولة على توفير التمويل اللازم لشراء الغاز الطبيعي والمازوت، وسداد مستحقات الشركاء الأجانب، وتأمين احتياجات قطاع الكهرباء، بالتوازي مع العمل على زيادة الإنتاج المحلي وتوسيع الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.

ارتفاع أسعار النفط يضغط على فاتورة الطاقة

يمثل ارتفاع سعر برميل النفط من 75 دولارا إلى 110 دولارات زيادة بنحو 46.7%، وهو ما يفرض ضغوطا إضافية على تكلفة تدبير الطاقة المستوردة، لكن هذا الارتفاع لا يعني بالضرورة زيادة فاتورة الطاقة بالنسبة نفسها، إذ تتأثر التكلفة أيضا بأسعار الغاز الطبيعي، وحجم الكميات المستوردة، وشروط التعاقد، وتكاليف النقل والشحن.

وتكشف بيانات منشورة في مارس 2026 عن ارتفاع فاتورة استيراد الغاز الشهرية إلى نحو 1.65 مليار دولار، مقابل 560 مليون دولار سابقًا للكميات نفسها، وفق تصريحات حكومية بشأن تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة.

كما أشار وزير البترول والثروة المعدنية، كريم بدوي، في أغسطس 2026، إلى ارتفاع تكلفة شحنة الغاز الطبيعي المسال إلى نحو 80 مليون دولار، مقابل 40 مليون دولار قبل الحرب الإقليمية، وهو ما يوضح حجم الضغوط التي تواجهها عمليات تدبير الإمدادات.

وتزداد أهمية هذه الأرقام في ظل احتياج محطات الكهرباء إلى كميات كبيرة من الغاز الطبيعي، خاصة خلال أشهر الصيف التي يرتفع فيها الاستهلاك نتيجة زيادة الطلب على التبريد.

الإنتاج المحلي خط الدفاع الأول لتقليص الفجوة

تمثل زيادة الإنتاج المحلي أحد أهم الحلول لتقليل الاعتماد على واردات الغاز، والحد من التعرض لتقلبات الأسعار العالمية وتوافر الشحنات.

وبحسب بيانات لوزارة البترول في أغسطس 2026، بلغ متوسط إنتاج مصر من الغاز الطبيعي نحو 3.8 مليار قدم مكعبة يوميا، مقابل طلب محلي يقدر بنحو 6.2 مليار قدم مكعبة يوميا، يرتفع إلى 7.2 مليار قدم مكعبة خلال فصل الصيف.

وتعكس هذه الفجوة أهمية تسريع تنمية الحقول المكتشفة، وتحسين معدلات الإنتاج من الحقول القائمة، وجذب استثمارات جديدة لأنشطة البحث والاستكشاف، إلى جانب الالتزام بسداد مستحقات الشركات العاملة في قطاع البترول بما يدعم استمرار عملياتها الاستثمارية والإنتاجية.

وكلما ارتفعت مساهمة الإنتاج المحلي في تلبية الاستهلاك، تراجعت الحاجة إلى استيراد كميات إضافية بأسعار مرتفعة، بما يخفف الضغط على موارد النقد الأجنبي.

تدبير الدولار وسداد مستحقات الشركاء

لا ترتبط أزمة الطاقة بتكلفة الوقود وحدها، بل بقدرة الدولة على تدبير الدولار اللازم لشراء الشحنات في مواعيدها، والحفاظ على تدفق الإمدادات بصورة منتظمة.

وفي مارس 2026، أعلنت الحكومة التنسيق مع القطاع المصرفي لتوفير المكون الدولاري اللازم لواردات البترول، بالتوازي مع العمل على سداد مستحقات الشركاء الأجانب، ووضع سيناريوهات مرنة لتأمين احتياجات السوق المحلية.

ويمثل انتظام السداد عاملا مهما في الحفاظ على ثقة الموردين والشركات الأجنبية، ودعم استمرار الاستثمارات في البحث والاستكشاف وتنمية الحقول، بما يساعد على تقليل الفجوة بين الإنتاج المحلي والاستهلاك.

مستحقات البترول والكهرباء ضغوط إضافية على السيولة

تتجاوز التحديات تكلفة الاستيراد، لتشمل العلاقة المالية بين قطاعي البترول والكهرباء، إذ يؤدي تأخر سداد قيمة الوقود إلى تراكم المستحقات والضغط على السيولة المتاحة لدى الجهات الموردة.

ونقلت تقارير اقتصادية في فبراير 2025 عن مسؤول حكومي، أن مستحقات وزارة البترول لدى وزارة الكهرباء تجاوزت 205 مليارات جنيه بنهاية يناير، فيما اقتربت فاتورة الوقود الشهرية لمحطات الكهرباء من 18 مليار جنيه.

وفي المقابل، أشار تقرير لصندوق النقد الدولي صدر في 2026 إلى تخصيص 75 مليار جنيه لشركة البترول و75 مليار جنيه لشركة الكهرباء ضمن إجراءات لتسوية المتأخرات، فضلا عن تراجع متأخرات الهيئة العامة للبترول المستحقة للموردين الدوليين من 6.2 مليار دولار في أكتوبر 2024 إلى نحو ملياري دولار في ديسمبر 2025.

وتوضح هذه المؤشرات أن إدارة الفجوة التمويلية تتطلب معالجة الالتزامات المتراكمة، وتحسين التحصيل والتسويات المالية بين الجهات المعنية، إلى جانب توفير التمويل اللازم للواردات الجديدة.

الطاقة المتجددة وسيلة لتقليل فاتورة الوقود

بالتوازي مع زيادة الإنتاج المحلي، تتجه الدولة إلى تعزيز مساهمة الطاقة المتجددة في مزيج الكهرباء، بما يتيح توفير جزء من الغاز الطبيعي المستخدم في محطات التوليد.

وأعلن رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، في أكتوبر 2026، رفع المستهدف الحكومي لمساهمة الطاقة الجديدة والمتجددة إلى 45% بحلول 2028، ثم 50% بحلول 2030، وفق التصريحات المنشورة بشأن مستهدفات الطاقة.

ويمثل التوسع في مشروعات الطاقة الشمسية والرياح فرصة لتقليل الاعتماد على الوقود التقليدي، إلا أن تحقيق هذه المستهدفات يتطلب تطوير شبكات الكهرباء، وتعزيز قدرات التخزين والربط، وتسريع تنفيذ المشروعات المقررة.

كما يمكن أن يسهم ترشيد الاستهلاك وتحسين كفاءة محطات التوليد في تخفيف الضغوط خلال فترات الذروة، وتقليل الحاجة إلى تدبير كميات إضافية من الوقود.

هل تنجح الحكومة في منع انقطاع الكهرباء؟

تتوقف قدرة الحكومة على تجنب انقطاع الكهرباء على توافر الوقود بالكميات المطلوبة، وانتظام وصول الشحنات، وقدرتها على تدبير التمويل اللازم، إلى جانب كفاءة إدارة الشبكة ومواجهة الارتفاع الموسمي في الاستهلاك.

وتقدم تجربة صيف 2024 مثالا على حجم التمويل المطلوب لمواجهة نقص الوقود؛ إذ أعلنت الحكومة حينها حاجتها إلى نحو 1.18 مليار دولار لاستيراد الغاز والمازوت بهدف إنهاء تخفيف الأحمال.

وفي ظل ارتفاع أسعار الطاقة، يصبح استمرار تدبير الشحنات دون تأخير، وزيادة الإنتاج المحلي، وتسوية المستحقات، والتوسع في مصادر الطاقة المتجددة، عناصر مترابطة لضمان استقرار الإمدادات.

أخبار متعلقة :