عيون مصر

كلمات / أشياء أوراش بنسعيد في الزمن المونديالي

لا يمكن اعتبار عودة الرياضة إلى حضن قطاع الشباب والثقافة، مجرد إعادة ترتيب للحقائب الوزارية، ولا مسؤولية المهدي بنسعيد الجديدة مجرد إضافة إسم الرياضة إلى لائحة اختصاصاته الحكومية. إنها، في عمقها الإستراتيجي، فرصة لفتح صفحة جديدة في تدبير الشأن الرياضي الوطني، صفحة تليق بمغرب اختار أن يجعل من الرياضة رافعة للتنمية، ومن كرة القدم جسراً إلى العالم، ومن مونديال 2030 موعداً تاريخياً لإبراز صورة وطن يراهن على المستقبل.

لقد دخل المغرب الزمن المونديالي، ولم يعد مسموحاً على الإطلاق، بأن تظل الرياضة الوطنية أسيرة الاختلالات البنيوية، أو أن تستمر بعض جامعاتنا الرياضية في الدوران داخل حلقات مفرغة، فيما تتسع الفجوة بين طموحات المملكة وإمكانات عدد من رياضاتها. لذلك، فإن التحدي الذي ينتظر الوزير الجديد ليس تدبير قطاع فحسب، بل المساهمة في صناعة تحول رياضي شامل، يجعل من الإستثناء الكروي قاعدة للإجتهاد في بقية الرياضات.

لقد علمتنا تجربة كرة القدم المغربية أن النجاح لا ينزل من السماء، ولا تصنعه أيضا المصادفات العابرة. فوراء النجاح المنسوب لكرة القدم رؤية ملكية، واستثمار في البنيات التحتية، وعمل متواصل على التكوين، وتراكم في الخبرة، وإيمان بأن صناعة الأبطال تبدأ قبل سنوات طويلة من صعودهم إلى منصات التتويج.

فهل يستطيع المهدي بنسعيد أن يحث بالتحفيز وبرسملة الطموحات، بقية الرياضات على استنساخ عناصر النجاح، كل بحسب خصوصياته وإمكاناته؟ ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يحكم أولويات المرحلة.

وأول الأوراش في تقديري، هو تثمين وتحيين القانون 30.09 المتعلق بالتربية البدنية والرياضة. فلا يعقل أن نرفع سقف طموحاتنا إلى مستوى تنظيم أكبر التظاهرات العالمية، بينما يحتاج الإطار القانوني المنظم للرياضة إلى مراجعة تستجيب لتحولات الإحتراف والحكامة والإستثمار. المطلوب ليس ترقيع النصوص أو حتى إزالة الغبار عن بعضها المدفون في الرفوف، بل بناء منظومة واضحة المسؤوليات، شفافة التدبير، جاذبة للرأسمال الخاص، وحامية للحقوق.

والورش الثاني يبدأ من المدرسة، حيث تُصنع البدايات الأولى للأبطال، وحيث ينبغي أن تتساوى فرص الممارسة الرياضية بين أطفال المدن الكبرى وأبناء المناطق البعيدة. فلا مستقبل لرياضة لا تستثمر في قاعدتها، ولا معنى لانتظار الميداليات الأولمبية من دون سياسة مستدامة لاكتشاف المواهب وتأطيرها ومواكبتها علمياً وطبياً وتقنياً.

أما الجامعات الرياضية، فتحتاج إلى أكثر من الدعم المالي، تحتاج إلى تعاقد واضح على النتائج، وبرامج تكوين طويلة النفس، وحكامة مسؤولة تجعل المحاسبة جزءاً من ثقافة التدبير، لا مجرد رد فعل بعد الإخفاق. ويجب أن تحظى الرياضة النسائية ورياضة الأشخاص في وضعية إعاقة، من ذوي الهمم، بمكانتهما المستحقة داخل هذه الرؤية.

ثم هناك رهان تحويل المغرب إلى وجهة للتظاهرات الدولية في ألعاب القوى والتنس والدراجات والرياضات الميكانيكية وغيرها، حتى لا يظل إشعاعنا الرياضي محصوراً في كرة القدم. فمونديال 2030 ليس محطة وصول، بل منصة انطلاق نحو اقتصاد رياضي منتج، يوفر فرص الشغل، وينشط السياحة، ويضمن استدامة المنشآت بعد انطفاء أضواء الملاعب.

لقد تسلم المهدي بنسعيد قطاعاً يحمل من الإمكانات بقدر ما يحمل من الإنتظارات. وستقاس حصيلة ولايته، لا بعدد التصريحات ولا بحجم الوعود، بل بما ستحدثه من تغيير ملموس في حياة الرياضيين، وفي أداء الجامعات، وفي فرص الشباب، وفي قدرة المغرب على المنافسة والتنظيم.

في الزمن المونديالي، لا نحتاج إلى وزير يدبر الرياضة فقط، بل إلى رؤية تجعل من الرياضة مشروعاً وطنياً متكاملاً. فالمغرب الذي يستعد لاحتضان العالم سنة 2030، مطالب بأن يهيئ أيضاً أبطاله، وأن يوسع قاعدة ممارسيه، وأن يجعل من المجد الكروي بداية لمجد رياضي شامل.

أخبار متعلقة :