تشرفت أمس بالمشاركة في جلسة «أمن الوطن والمواطن»، ضمن فعاليات منتدى مصر 2026، بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، والدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، واللواء محمود توفيق وزير الداخلية، والدكتور بدر عبد العاطي وزير الخارجية، إلى جانب عدد من كبار المسؤولين، في جلسة ناقشت أحد أهم الملفات المرتبطة بحياة المصريين اليومية، وهو الأمن باعتباره ركيزة أساسية لاستقرار الدولة وحماية المواطنين وممتلكاتهم.
لم تكن الجلسة مجرد استعراض لجهود وزارة الداخلية، بل جاءت محملة برسائل مهمة، خاصة مع عرض فيلم تسجيلي استعاد جانبًا من مشاهد الاضطراب الأمني التي مرت بها البلاد، وما خلفته من خسائر وتحديات، قبل الانتقال إلى ما شهدته المنظومة الأمنية من تطوير في السنوات التالية، سواء على مستوى البنية التحتية والتجهيزات أو استخدام التكنولوجيا الحديثة في مواجهة الجريمة وتحسين الخدمات المقدمة للمواطنين.
الفيلم التسجيلي استعرض بالأرقام تكلفة الفوضى، وأثبت أن المواطن كان في مقدمة من تحملوا فاتورة محاولات إسقاط الدولة، فحين تتراجع قدرة المؤسسات على فرض القانون، لا تتوقف الخسائر عند المنشآت التي تتعرض للاقتحام أو الحرق، وإنما تمتد إلى أمن المواطن وحياته اليومية وممتلكاته، وإلى شعوره بالطمأنينة في الشارع والمنزل والعمل.
من هروب آلاف السجناء إلى استعادة الأمن
استعرض الفيلم التسجيلي جانبًا من حجم التحديات التي واجهتها الدولة خلال أحداث عام 2011، وفي مقدمتها اقتحام السجون وهروب آلاف السجناء من منشآت قديمة ومتهالكة، كان عمر بعضها يتجاوز مئة عام. ووفقًا للأرقام التي وردت في الفيلم، بلغ عدد السجناء الذين هربوا 23 ألفًا و744 سجينًا.
وفي السياق نفسه، أشار الفيلم إلى ارتفاع معدلات ارتكاب الجرائم بنسبة 240% مقارنة بعام 2010، وارتفاع معدلات ارتكاب الجنايات بنسبة 108%، في مشهد عكس حجم التحديات التي واجهتها الدولة خلال تلك المرحلة، وما صاحبها من اضطراب أمني.
وجاء عام 2013 ليشهد حالة من الغليان في الشارع، وسط تحديات أمنية متصاعدة، قبل أن تتواصل جهود استعادة الأمن وفرض القانون. ووفقًا لما عرضه الفيلم، نجحت الجهود الأمنية في استعادة 23 ألفًا و363 سجينًا من إجمالي الهاربين، بنسبة بلغت 98.5%.
كما استعرض الفيلم جهود مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة، مشيرًا إلى ضبط نحو 2.75 ألف بؤرة إرهابية، ونحو 2.9 ألف بؤرة إجرامية، فضلًا عن مواجهة تشكيلات عصابية وضبط أسلحة وذخائر، والتعامل مع أكثر من 980 ألف قضية مخدرات، وفقًا للأرقام الواردة في المادة المعروضة خلال الجلسة.
وفي المقابل، عرض الفيلم تراجعًا في معدلات ارتكاب الجرائم مقارنة بالمراحل السابقة، مشيرًا إلى انخفاض معدلات ارتكاب قضايا الجنايات بنسبة 75%، وقضايا الجنح بنسبة 59%، وفقًا للأرقام التي وردت في التسجيل.
المفارقة التي طرحها الفيلم أن المنشآت الشرطية التي تعرضت للاقتحام والحرق في أحداث 2011، كانت أول من تصدرت صفوف الدفاع عن المصريين في مواجهة الإرهاب بعد 2013. وهي مفارقة تستحق التأمل؛ لأنها تضع أمامنا مشهدين متناقضين: منشآت تعرضت للاعتداء في لحظة اضطراب، ثم عادت لتكون جزءًا من منظومة المواجهة الأمنية التي استهدفت استعادة الاستقرار ومواجهة الإرهاب والجريمة.
سرقة السيارات.. مؤشر على استعادة الأمن
وخلال كلمته في الجلسة، قدّم اللواء محمود توفيق، وزير الداخلية، للمصريين كشف حساب لأداء الوزارة وجهود استعادة الأمن وتطوير المنظومة الأمنية، مستعرضًا عددًا من المؤشرات التي تعكس التغير في معدلات الجريمة مقارنة بالسنوات السابقة.
ومن بين الأرقام التي توقف عندها الوزير معدلات سرقة السيارات، موضحًا أن هذه المعدلات انخفضت بنسبة 94% مقارنة بعام 2013، وأنها انخفضت بنسبة 64% مقارنة بعام 2010، أي قبل الأحداث.
واعتبر الوزير أن هذه المؤشرات تعكس حالة الأمن التي وصلت إليها الدولة حاليًا، في إشارة إلى الجهود المبذولة لاستعادة الاستقرار وتعزيز قدرة المنظومة الأمنية على حماية المواطنين وممتلكاتهم.
وتكتسب هذه الأرقام أهميتها من ارتباطها بجريمة تمس المواطن بصورة مباشرة؛ فسرقة السيارة لا تعني فقط خسارة مادية، وإنما قد تؤثر على مصالح صاحبها وحياته اليومية، ومن هنا، فإن تراجع معدلات هذه الجريمة يمثل أحد المؤشرات التي استند إليها الوزير في عرض تطور الأداء الأمني، إلى جانب جهود مواجهة الجرائم المختلفة.
تطوير المنظومة الأمنية.. من المواجهة إلى التنبؤ بالمخاطر
لم يقتصر كشف الحساب الذي عرضه وزير الداخلية على مؤشرات تراجع الجريمة، بل امتد إلى محاور تطوير العمل الشرطي، وتحديث المنشآت والتجهيزات، وتعزيز الاعتماد على التكنولوجيا في إدارة العمليات الأمنية.
وتضمنت محاور التطوير تحديث مراكز العمليات وربط غرف العمليات المحلية، بما يسمح بتبادل المعلومات وتنسيق التحركات بصورة أكثر كفاءة، إلى جانب الاستفادة من الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات ورصد التهديدات والمساعدة على توقع المخاطر والتعامل معها بصورة استباقية.
كما شمل التطوير الاهتمام بمراكز الدراسات الأمنية والمعلومات وإدارة الأزمات، بما يدعم عملية اتخاذ القرار ويعزز قدرة المؤسسات المعنية على التعامل مع المواقف الطارئة.
وهنا تبرز أهمية التحول من التعامل مع الجريمة بعد وقوعها إلى امتلاك أدوات تساعد على رصد المخاطر مبكرًا، وتحليل المعلومات، وسرعة توجيه الاستجابة. فالتحديات الأمنية لم تعد مقتصرة على الجرائم التقليدية، بل امتدت إلى الجرائم الإلكترونية والاعتداءات التي تستغل الفضاء الرقمي، وهو ما يتطلب تطويرًا مستمرًا لقدرات العنصر البشري وتدريب كوادر متخصصة قادرة على التعامل مع هذه الأنماط المستحدثة.
وتناول الوزير كذلك أهمية توعية المواطنين، لا سيما الشباب، في مواجهة محاولات استغلال مواقع التواصل الاجتماعي لنشر الشائعات والمعلومات المضللة والتحريض. فالمواجهة الأمنية لا تنفصل عن الوعي المجتمعي، ولا يمكن التعامل مع التحديات الرقمية بالوسائل التقليدية وحدها، وإنما تحتاج إلى تكامل بين الجهد الأمني والمعلومة الدقيقة وقدرة المواطن على التحقق مما يتلقاه ويتداوله.
المواطن شريك في تحقيق الأمن
ومن أهم الرسائل التي خرجت بها من الجلسة، أن المواطن لم يعد مجرد متلقٍ للخدمة الأمنية، بل أصبح طرفًا مشاركًا في رصد المخالفات والإبلاغ عنها، ومُقيِّمًا لسرعة استجابة الأمن، وفي المقابل استعرض الوزير محمود توفيق جهود تطوير قنوات التواصل مع المواطنين، والتعامل مع البلاغات والشكاوى الإلكترونية، وتوجيه أقرب دورية للتعامل مع البلاغات، وفقًا لما عرضه خلال الجلسة، مع الاستفادة من التكنولوجيا في تسريع الاستجابة وتنسيق التحركات.
وتكمن أهمية هذا التوجه في أن كفاءة المنظومة الأمنية لا تُقاس فقط بما تمتلكه من إمكانات وتجهيزات، وإنما كذلك بقدرتها على الاستجابة الفعلية لاحتياجات المواطنين، وسرعة التعامل مع البلاغات، وتحقيق التواصل الذي يسمح برصد أوجه القصور ومعالجتها.
كما أن متابعة شكاوى المواطنين المنشورة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتخصيص فرق للتعامل معها، يمثل امتدادًا لدور المؤسسة الأمنية في التواصل مع المجتمع، مع الالتزام بالضوابط القانونية المتعلقة بالخصوصية وحماية البيانات.
ومن وجهة نظري، فإن هذه النقطة من أهم ما يستحق التوقف أمامه؛ لأن الأمن في النهاية ليس مجرد أرقام عن الجرائم التي تم ضبطها أو القضايا التي جرى التعامل معها، بل هو تجربة يومية يعيشها المواطن، ويقيسها من خلال قدرته على التحرك بأمان، وحماية ممتلكاته، والحصول على استجابة جادة عندما يتعرض لمشكلة أو يرصد مخالفة.
«رسالتك مسموعة».. التواصل الرقمي في خدمة المواطن
وامتد التطوير الذي استعرضه الفيلم التسجيلي إلى الفضاء الرقمي، حيث تناول حجم التفاعل مع الصفحة الرسمية لوزارة الداخلية، مشيرًا إلى وصول عدد متابعيها إلى نحو 21 ألف متابع، وإلى حصولها على المركز الثاني عالميًا من حيث التفاعل مع المواطنين خلال عام 2025، وفقًا لما ورد في الفيلم.
وتحولت الصفحة إلى قناة مباشرة لرصد الظواهر السلبية والمنازل آمنة للمواطنين، تحت شعار «رسالتك مسموعة»، ورحلة الاستجابة لها فورية ولا تعرف الانتظار، ليظل الهدف وطنًا أكثر أمنًا.
وتعكس هذه المؤشرات أهمية المنصات الرقمية في تطوير التواصل بين المؤسسة الأمنية والمواطنين، سواء من خلال نشر المعلومات الرسمية أو رصد الشكاوى والظواهر السلبية والتفاعل معها، ولم يعد الحضور الرقمي مجرد وسيلة لنقل البيانات، بل أصبح أحد مسارات التواصل التي تتيح للمواطن التعبير عن مشكلاته والإبلاغ عما يرصد من مخالفات.
وتزداد أهمية هذا الدور في ظل الانتشار الواسع لمواقع التواصل الاجتماعي، وما يصاحبه من تداول سريع للأخبار والمعلومات، وهو ما يجعل وجود قنوات رسمية للتواصل والاستجابة عنصرًا مهمًا في مواجهة الشائعات وتوضيح الحقائق، بشرط أن يقترن الحضور الرقمي باستجابة عملية وفعالة.
تطوير مراكز الإصلاح والتأهيل
وشملت محاور التطوير التي تناولتها الجلسة أيضًا تحديث منظومة الإصلاح والتأهيل، من خلال تطوير المنشآت وأساليب التعامل مع النزلاء، والاهتمام بإعادة التأهيل وتهيئة فرص الاندماج في المجتمع.
ويكتسب هذا المحور أهميته من أن التعامل مع الجريمة لا ينتهي بمجرد ضبط مرتكبيها أو تنفيذ العقوبة، بل يتطلب كذلك معالجة العوامل التي قد تؤدي إلى تكرارها، والعمل على تأهيل النزلاء للعودة إلى المجتمع بصورة تقلل فرص العودة إلى الجريمة.
وبذلك يتسع مفهوم العمل الأمني ليشمل الوقاية والمواجهة والتأهيل، إلى جانب تطوير الخدمات المقدمة للمواطنين، في إطار منظومة تستهدف حماية المجتمع وتعزيز الاستقرار.
تكامل الأمن الداخلي والتحرك الخارجي
ويحمل اختيار وزيري الداخلية والخارجية للمشاركة في جلسة واحدة ضمن منتدى مصر 2026 دلالة على أهمية تكامل الأدوار في حماية الدولة ومصالحها. فوزارة الداخلية تضطلع بمسؤولية حفظ الأمن الداخلي ومواجهة الجريمة وحماية المواطنين، بينما تتحرك وزارة الخارجية في نطاق العلاقات الدولية والدفاع عن المصالح المصرية والتعامل مع التحديات الإقليمية.
وعلى الرغم من اختلاف طبيعة الملفات، فإن استقرار الدولة يرتبط بقدرة مؤسساتها على أداء أدوارها بصورة متكاملة، سواء في الداخل أو الخارج. فحماية المواطن تبدأ من توفير بيئة آمنة تحترم القانون، وتمتد إلى الحفاظ على مصالح الدولة وقدرتها على التعامل مع المتغيرات المحيطة بها.
من تكلفة الفوضى إلى مسؤولية التطوير المستمر
إن القيمة الأهم في جلسة «أمن الوطن والمواطن» لم تكن في استدعاء مشاهد الماضي وحدها، ولا في عرض مؤشرات التطوير فقط، وإنما في الربط بين التجربة التي مرت بها البلاد والمسؤولية المستمرة عن حماية المواطنين وتحديث أداء المؤسسات.
فالفيلم التسجيلي استعاد بالأرقام جانبًا من تكلفة الاضطراب الأمني، وما شهدته البلاد من هروب للسجناء وارتفاع في معدلات الجريمة، ثم استعرض جهود مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة واستعادة الأمن. وفي المقابل، قدّم وزير الداخلية عرضًا لمحاور تطوير الوزارة، وتحديث أدوات العمل، والاستفادة من التكنولوجيا، وتعزيز التواصل مع المواطنين، مستشهدًا بمؤشرات من بينها التراجع الكبير في معدلات سرقة السيارات مقارنة بعامي 2013 و2010.
ومن واقع مشاركتي في الجلسة، أرى أن الرسالة الأساسية تتمثل في أن استعادة الأمن ليست محطة نهائية، بل مسؤولية مستمرة تتطلب تطويرًا في الأداء، وتأهيلًا للكوادر، وسرعة في الاستجابة، وتعاونًا حقيقيًا بين المؤسسة الأمنية والمجتمع.
من تكلفة الفوضى إلى استعادة الأمن، قدّم وزير الداخلية للمصريين كشف حساب لأداء الوزارة، استعرض فيه ما واجهته الدولة من تحديات وما اتخذته المنظومة الأمنية من خطوات للتطوير. لكن الاختبار الأهم يظل في انعكاس هذه الجهود على حياة المواطن اليومية، وفي قدرته على الشعور بالأمان والثقة في سرعة استجابة المؤسسات لاحتياجاته.
أخبار متعلقة :